محمد سعيد رمضان البوطي
10
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومن هنا أنشأ أقطاب تلك المدرسة ما زعموه ( الإصلاح الديني ) ، والدين الصحيح ما كان يوما ليفسد حتى يحتاج إلى مصلح أو إصلاح ، وكان من مظاهر هذا ( الإصلاح ) ظهور أول تجربة تحاول تحليل حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم تحليلا يسير في خضوع منكسر وراء العقلية الأوربية وتحت لواء ما زعموه ( العلم الحديث ) . أجل فلقد كان كتاب ( حياة محمد ) لحسين هيكل التجربة الرائدة في هذا المضمار أعلن فيه الرجل أنه لا يريد أن يفهم حياة محمد عليه الصلاة والسلام إلا كما يأمر به ( العلم ) ، ولذلك فلا خوارق ولا معجزات في حياته عليه الصلاة والسلام ؛ إنما هو القرآن ، والقرآن فقط . وتذكر الكاتب أن يستشهد في هذا بقول البوصيري : لم يمتحنا بما تعي العقول به * حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم ونسي أن يقف عند قوله في القصيدة ذاتها : جاءت لدعوته الأشجار ساجدة * تمشي إليه على ساق بلا قدم وانبرى الشيخ المراغي شيخ الأزهر إذ ذاك ، يقرظ الكتاب ويبارك الخطوة الرائدة ، وانطلق محمد فريد وجدي هو الآخر ينشر سلسلة مقالاته داعيا فيها إلى فهم الإسلام والسّيرة النّبوية عن طريق ( العلم ) ، ولو اقتضى ذلك الإعراض عن الخبر الصادق الذي ثبت في الكتاب أو السّنة ، وإنما كان يقصد ب ( طريق العلم ) أن لا يستسلم العقل للغيبيات ولا الخوارق والمعجزات وإن جاء بها الخبر الصادق المتواتر ، كأن العلم إنما يتحقق بإنكار كل ما لم يقع تحت حسك وشعورك ! ! 5 - ومعلوم كيف استغل الاحتلال البريطاني في مصر إذ ذاك ، هذا الفهم الجديد للإسلام عند طائفة من أقطاب الفكر وحملة القلم ، استغله في إضعاف الوازع الديني في أفئدة المسلمين ، ( وأي وازع ديني يبقى في نفس من أنكر فكرة المعجزة من أساسها في الدين ، وهل الدين شيء غير معجزة الوحي الإلهي إلى رسله وأنبيائه ؟ ) فراحت التربية الاستعمارية تباعد بين المسلمين ومنهجهم الإسلامي ، وتقيم بينهم وبينه منهجا آخر ، كل ما فيه من المؤيدات أنه منهج أوربي عريق ! . . 6 - ثم مرت الأزمنة وتوالت السّنوات ، فتبيّن لكل باحث منصف ، أن تلك المدرسة لم تكن على شيء من التأمل الفكري الحر ولا من البحث العلمي النّزيه ، وإنما كانت ردّ فعل أثاره الانبهار والشعور بالضعف لدى طائفة من المسلمين ، تهيأ لها بسبب ظروف خاصة أحاطت بها ، أن تطلع على الحياة الأوربية فتستهويها زخرفها وملذّاتها ، فاتّخذوا من نزوات نفوسهم حاكما مسلطا على عقولهم واصطنعوا بذلك مدرسة فكرية ظاهرها ( الإصلاح الديني ) وباطنها الاستخذاء النفسي والانبهار الفكري بين يدي نهضة الغرب .